حاليا ليس لك من جهازك -سواء هاتفًا أو حاسبًا- ليس لك منه إلا حديده أو يكاد، فلا حق لك عندهم أن تفككه أو تفكك التطبيقات أو البرامج لتعلم كيف تعمل، ولا أن تعدل عليها إن شعرت أن بها عيبًا يحتاج الإصلاح أو ميزة لا بد منها، ولا أن تفيد بها غيرك إن كان لا يستطيع الوصول لها، ولا أن تستعملها في غير ما أذن لك المصنع، لا شيء إلا بإذن المصنع، بل يكاد أن يمنعوك حتى إن كان لغرض تعليمي أو شخصي بحت، نموذج أمريكي بغيض في بيع الأسلحة يطبق علينا نحن المشترين المستهلكين العامة، وجرب أن تقرأ الاتفاقية التي تكتب بخط صغير باسم شروط الاستخدام أو الخصوصية لتعرف ذلك.

ربما ابتعدت عن مقصدي من العنوان، لكن سأعود الآن، لا زلت أحاول أن أصل لمرحلة استقلال الأدوات -على الأقل في مستوى إنتاج الفني على الشابكة "الإنترنت"- ولعلي وصلت لشيء من ذلك فيما سبق، لكن لم أصل بعد مرحلة الاستمرار.

ثمة مشاريع وأعمال قائمة على هذه الأدوات المستقلة، وبما أني أعرف منها في المجال الفني والإعلامي فسأذكر منها شيئًا:

  1. هذا فنان فرنسي يعتمد اعتمادًا أساسيًا في قصته المصورة على البرامج المفتوحة، بل ومتعاون مع مؤسسة أو شركة فرنسية تدعم نفس التوجه وتنشئ برامج مفتوحة أيضًا، بودي لو استطعت -أو لو وجدنا- مثله من يسعى لهذه الاستقلال من ناشري الشابكة العرب (هل تذكر ما قلت من قبل عن كرهي لمصطلح: صانع محتوى؟ ربما أقرب المجتمعات العربية لذلك هم شارحو ومستخدمو برنامج التصميم الثلاثي "بلندر" وانظر في "يوتوب" ومنتديات المنابر مثالًا.
  2. وبما أني ذكرت الوحش "بلندر" (وهو كذلك، ماذا تسمي برنامج يكاد يستحوذ على كل وظائف برامج الاستديو من صوت وصورة ثنائية وثلاثية ومؤثرات بصرية وتوليف المشاهد "المونتاج"؟ هل أسميه إلا وحشًا) فالمؤسسة التي تتولى البرنامج -فضلًا عن تطويره- تنتج كل عام أو عامين [فلمًا][^3] تستعرض به قدراته، وتتيح الملفات المصدرية التي تم بها إنتاج مشاهده، هذا عمل مؤسسة بالطبع، وليس فرضًا على أحد أن يعرض ملفات عمله علنًا، لكن أن يتاح لك أداة مفتوحة ونماذج تنفيذ بها للتعلم والتجربة والاستخدام؟ نحن جيل مدلع لا يقدر النعمة.
  3. فلم آخر باسم Zemarmot تحت رخصة الفن الحر Art Libre أي نشره ونسخه واستخدام ملفاته حر مجاني تمامًا، رغم أنهم لم يتموا حتى الآن إخراج فلمهم، لكنهم بعملهم ومواصلة تطويرهم وتحسينهم إياه يدفعون مجتمع مطوري البرامج أيضًا إلى تحسين برامجهم لصناعة الأفلام.
  4. مشروع روسي الأصل أنشط من الفِلم السابق لتصميم برنامج لإنتاج الرسوم المتحركة، وقد جعل هدفه إنتاج حلقات مسلسل ببرنامجهم -أنهى ثلاث حلقات حتى الآن- وأنشؤوا حلقات أيضًا من قصة الفرنسي المصورة، بل وصار المشروع استديو ينشئ بعضًا من المسلسلات للشركات الروسية، كل ذلك وهو في حل وحرية من أن يخصص ميزانية للاشتراك ببرامج لا تدري متى تقطع شركته الدعم عنك، لا سيما والصراع الغربي الروسي قد قطع كثيرًا من العلاقات والأعمال.

إني أرى أحوج الناس وأولاهم بهذه المشاريع والاستفادة منها هي القنوات المحافظة (وبعبارة أصرح: الإسلامية) وأوجه إصبعي إلى الفنية منها، إن كانت التعليمية يلزمها توجهها بحد من الجدية والاكتفاء من اللهو ما يفي بحاجتها التعليمية، فإن الفنية لا عذر لها بهذا التردي وأخذ أعمال غيرهم من القنوات بالجودة الأدنى، ثم تساق لجمهورهم أنها أعمال نظيفة ترضي الله، أما إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه، وأعمالكم هذه -وسأمد إصبعي أطول نحو قنوات سمسم والمجد للأطفال وبسمة- التي تشترونها أو تأخذونها من غيركم من القنوات ثم تشوهونها بهذا الشكل البشع لن تطبع في ذاكرة من تربى عليكم ثم قارنكم بمن سواكم إلا أنكم مهملون، لا تحترمون للعمل الفني قدره، أما إن حسان بن ثابت -رضي الله عنه- كان شاعرًا مفلقًا أتعب قريش بشعره، وبشره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن: اهجهم وروح القدس معك. والشعر فن أيضًا، فإما أن تحترموا العمل الفني وتعطوه قدره ليؤدي تأثيره ويقبل عليه الناس، وإما أن يوضع جانبًا حيث لا يسركم ولا يسر من يحبكم.

وأخيرًا بعد فقرة الفضفضة الغاضبة، فإني أقول عن نفسي، لدي بعض الأفكار في الفترة القادمة التي سأحاول إخراجها وتقديمها، أرجو أن أتعلم من خبرة من سبقني وأن أعتبر من أخطائهم، وأول ما أضع نصب عيني حاليا: جودة العمل واستقلال أدوات التنفيذ.

[3^]: قناة أفلامهم أو قناتهم الرسمية في "يوتوب"


من المشاريع المحافظة الجيدة حقا واستفادت من برنامج "بلندر" قناة تعليم المجاني للقرآن Free Quran Education الإندونيسية، بل وتقوم بعمل فني متقن جيد الحبك سواء من ناحية القصة أو الرسم أو التحريك أو المؤثرات الصوتية والبصرية، ويعجبني خاصة مؤثراتهم الصوتية البديلة للموسيقى، أرى أنها قادرة على مضارعتها.

مثال جيد للفن المحافظ المتقن الذي لا زال قليلًا عربيًا، والنماذج غير العربية أكثر.

Next Post