ما زلت أستلذ اللحظات التي فك لي فيها الشعر طلاسم المشاعر (ونعم، أنا إنسان يستثقل المشاعر جدا ولا يحسن ردود الفعل، وأحس بالعجز أمام مشاعري إن فاضت) منذ بدأنا في مادة الأدب الشعر الجاهلي -وألفاظه التي بعد بلِّ الشرح ستستطيع فهمها وبلعها- ورفيق الأدب مادة البلاغة، مع الوقت صرت أضع نصب عيني أن علي أن أستزيد من المعلقات وكتب اللغة الأربع 1 وامتلأ حاسبي وهاتفي بالأبيات والمقتطفات التي أطربتني.
لكن مرحلة الطرب هذه لم أصلها بقفزة واحدة ببدء قراءة الشعر -وضع خطا أحمر على كلمة قراءة- بل احتجت فاصلا، ولنقل أنه سنتان؛ لأصل إليه.
صادفت أثناء محاولاتي لأفهم وأحفظ البحور وأوزانها مقطعًا 2 من ساعة ونصف لأستاذ يشرحها مستعينا بفرقة إنشادية أو غنائية ليطبع في بال تلاميذه -وأنا كذلك- ألحانًا لها فتغنى.
تغن بالشعر إن ما كنت قائله *** إن الغناء لهذا الشعر مضمار
لما وجدت هذا التسجيل، وكنت من قبله ألحن بعض الأبيات التي قرأت لأحفظها، وأنظم شيئًا ليس بالشعر لكنه يصلح للغناء وترويح نفسي، شعرت أنه فتح لي الكثير، نعم هذا الشعر، الآن أحسست به، الآن عرفت كيف كانت مشاعر الأولين تنطلق بالشعر ولماذا هو مرتبط بالمشاعر -بينما الخطابة مرتبطة بالمنطق- ورأيت رأي العين -ثم أكده لي أستاذ عارف- أن الشعر ليس للقراءة، الكتابة توثقه، ولكن قراءة المطالعة تظلمه وتقتله، الشعر للغناء، أو على الأقل لإلقاء يحترم وزنه، وانظر إلى الشعراء النبطيين والعاميين كيف يلقون شعرهم ويسري بالك مع وزنه.
كما يضيق الناس ذرعًا بالفِلم سيء التنفيذ والمسلسل سيء الكتابة، لا بد من إيقاف الظلم الذي لحق الشعر بسوء قراءته -ووضعنا لغويًا معروف مكشوف- وقلة الانتباه له، وعدم مراعاته وأوزانه، إن الله لما أنزل كتابه وتحدى به العرب والإنس والجن جميعًا، إنما كان الشعر من كلامهم وحسن بيانهم، فكيف سيصلنا نفس الشعور ودوننا عنه جدر وحيطان؟
في نفسي، لو أني أردت أن أنشر شعرا أو أحيي من تراثه شيئًا، فأفضل على الديوان المكتوب أن يغنى حتى يتسنى للناس الاستمتاع به حقًا، تذكرت أن للأستاذ عارف حجاوي قناة بها إلقاء للشعر، وشتان بين إلقاء عارف وإلقاء هارف.